• المدير العام ( المفوض ) .. عماد شاهين
  • يمكنك الاعتماد على وكالة العراب الاخبارية في مسألتي الحقيقة والشفافية
  • رئيس التحرير المسؤول .. فايز الأجراشي
  • نتقبل شكواكم و ملاحظاتكم على واتس أب و تلفون 0799545577

العملات الرقمية المستقرة وتحويل الدين السيادي الأميركي إلى أصول تشغيلية مطلوبة عالميًا

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2026-02-08
448
العملات الرقمية المستقرة وتحويل الدين السيادي الأميركي إلى أصول تشغيلية مطلوبة عالميًا

 م. سعيد المصري

مقدمة: ما هي العملات الرقمية المستقرة ولماذا تُعد مختلفة؟

العملات الرقمية المستقرة (Stablecoins) هي عملات رقمية مُسعَّرة غالبًا بالدولار الأميركي، وتُصمَّم للحفاظ على قيمة شبه ثابتة من خلال تغطية كاملة بنسبة 100٪ بأصول محددة مسبقًا. هذه الأصول قد تكون نقدًا بالدولار، أو معادن ثمينة محفوظة فعليًا، أو—وهو النموذج الأكثر انتشارًا في الولايات المتحدة—سندات وأذونات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل.

وتعمل هذه العملات من خلال منظومات البلوكتشين، وهي دفاتر حسابات رقمية موزعة تسمح بتسجيل المعاملات وتسويتها بشكل فوري وشفاف وقابل للتحقق، دون الحاجة إلى وسيط مركزي تقليدي في كل عملية. هذا لا يلغي دور الجهات الرقابية أو المصرفية، لكنه ينقل التنفيذ التشغيلي للمدفوعات والتسويات إلى طبقة رقمية أكثر كفاءة، تعمل على مدار الساعة وعبر الحدود.

ويجب التمييز هنا بوضوح بين العملات الرقمية المستقرة وبين العملات المشفّرة المتداولة مثل بيتكوين أو إيثيريوم. فالأخيرة لا تستند إلى أصول ضامنة، وتخضع لتقلبات سعرية حادة، وتُعامل كأصول مضاربية عالية المخاطر. أما العملات المستقرة، فهي أدوات مالية رقمية تهدف أساسًا إلى أداء وظائف النقد التقليدي—الدفع، التسوية، وحفظ القيمة قصيرة الأجل—لكن عبر بنية بلوكتشين رقمية أكثر سرعة وانخفاضًا في الكلفة.

استخدامات العملات الرقمية المستقرة بعد إصدارها

بعد ترخيص العملات الرقمية المستقرة من قبل شركات القطاع الخاص، سواء بإشراف الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أو من خلال البنوك المحلية والدولية الخاضعة للرقابة الأميركية، تتعدد استخداماتها العملية.

تُستخدم هذه العملات كوسيلة دفع رقمية فورية، خصوصًا في التحويلات العابرة للحدود التي كانت تعاني تقليديًا من البطء وارتفاع الكلفة. كما تؤدي دورًا محوريًا في تسوية الصفقات المالية بين المؤسسات عبر شبكات البلوكتشين، حيث تصبح التسوية شبه لحظية بدل الاعتماد على أنظمة المقاصة التقليدية.

كذلك تُستخدم العملات المستقرة كمخزن مؤقت للقيمة في فترات تقلب الأسواق، وبوابة رئيسية للدخول إلى منظومات التمويل الرقمي والتقنيات المالية الحديثة. وفي جميع هذه الاستخدامات، تبقى القيمة الاسمية مرتبطة بالدولار، بينما تُدار العمليات على طبقة تقنية مستقلة نسبيًا عن النظام المصرفي التقليدي.

ترخيص الشركات وربط العملات المستقرة بسندات الخزانة الأميركية

تخضع الشركات المصدِرة للعملات الرقمية المستقرة في الولايات المتحدة لشروط ترخيص صارمة، في مقدمتها الالتزام بالاحتفاظ باحتياطيات كاملة وقابلة للتدقيق. وفي النموذج الأميركي السائد، تُوجَّه هذه الاحتياطيات بشكل أساسي نحو أذونات وسندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل، باعتبارها الأصل الأكثر أمانًا وسيولة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن القيمة الإجمالية لسندات الخزانة الأميركية القائمة اليوم تتجاوز 38 تريليون دولار، وهو رقم يعكس حجم المديونية السيادية الأميركية، لكنه في الوقت ذاته يشكّل العمود الفقري للنظام المالي العالمي. وعندما تُستخدم هذه السندات كأصول تشغيلية داعمة للعملات الرقمية المستقرة، فإن كل توسّع في استخدام هذه العملات يستدعي تلقائيًا زيادة الطلب عليها، ما يحوّل العملات المستقرة إلى قناة تمويل مستمرة وغير سياسية للدين الأميركي.

هذا الترتيب يؤدي إلى توسيع قاعدة ممولي الدين الأميركي، ويقلل الاعتماد على قرارات عدد محدود من البنوك المركزية الأجنبية، ويفتت مخاطر التمويل بدل تركّزها في أيدي عدد من الدول قد تستخدم هذه المديونية كعنصر ضغط سياسي على الولايات المتحدة الأميركية. كما يمنح الخزانة الأميركية مرونة أعلى في إدارة آجال الاستحقاق، عبر الاعتماد على أدوات قصيرة الأجل قابلة للتدوير ضمن منظومة تشغيلية رقمية نشطة.

سويسرا والحوكمة التنظيمية العابرة للسيادة في منظومة العملات الرقمية المستقرة

لا يكتمل فهم منظومة العملات الرقمية المستقرة دون التوقف عند الدور المحوري الذي تلعبه سويسرا، ليس فقط كحاضنة محايدة للشركات المصدِرة، بل كعنصر أساسي في هندسة الحوكمة التنظيمية العابرة للسيادة التي سمحت بانتشار هذه العملات عالميًا. فسويسرا، بما تمتلكه من تاريخ طويل في إدارة الأصول العابرة للحدود، والحياد السياسي، والموثوقية القانونية، أصبحت مقرًا مفضّلًا لعدد متزايد من شركات البلوكتشين والتكنولوجيا المالية التي تصدر عملات رقمية مستقرة، حتى عندما تكون هذه العملات مقومة بالدولار الأميركي أو مدعومة بسندات الخزانة الأميركية.

في الولايات المتحدة، يخضع إصدار وتداول العملات الرقمية المستقرة لمنظومة رقابية متعددة المستويات. يلعب الاحتياطي الفيدرالي الأميركي دورًا محوريًا في الإشراف غير المباشر، خصوصًا عندما تكون الشركات المصدِرة مرتبطة ببنوك مرخّصة أو تحتفظ باحتياطياتها داخل النظام المصرفي الأميركي. كما تضطلع وزارة الخزانة الأميركية، عبر شبكة مكافحة الجرائم المالية (FinCEN)، بفرض متطلبات صارمة تتعلق بمكافحة غسل الأموال، ومعرفة العميل، وتتبع التدفقات المالية. إلى جانب ذلك، تمارس كل من هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC) وهيئة تداول السلع الآجلة (CFTC) أدوارًا تنظيمية تتعلق بتصنيف الأصول الرقمية، ومنع تحول العملات المستقرة إلى أدوات مالية خارجة عن الإطار القانوني أو إلى نظام نقدي موازٍ غير خاضع للرقابة.

في المقابل، تعتمد سويسرا نموذجًا أكثر تركيزًا ووضوحًا من حيث الجهة المنظمة، إذ تُعد هيئة الرقابة على الأسواق المالية السويسرية (FINMA) المرجعية الأساسية لترخيص ومراقبة الشركات التي تصدر أو تدير العملات الرقمية المستقرة. وقد طورت FINMA إطارًا تنظيميًا صارمًا يُلزم هذه الشركات بمعايير عالية في الحوكمة، والفصل القانوني بين أموال الشركة وأموال حاملي العملات، والشفافية الكاملة في الاحتياطيات، وإدارة المخاطر. هذا الوضوح القانوني جعل سويسرا بيئة جاذبة للشركات التي ترغب في إصدار عملات مستقرة مقومة بالدولار، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى العمل ضمن ولاية قضائية محايدة ومستقرة.

بهذا الترتيب، تتشكل منظومة تكاملية دقيقة: الولايات المتحدة توفّر الأصل النقدي السيادي الأعلى سيولة عالميًا، أي الدولار وسندات الخزانة الأميركية، بينما توفّر سويسرا الإطار القانوني والتنظيمي المحايد لإدارة هذا الأصل ضمن هياكل خاصة موثوقة دوليًا. ونتيجة لذلك، تنتشر العملات الرقمية المستقرة بواجهة قانونية متعددة الجنسيات، لكنها تظل في عمقها مرتبطة بالنظام المالي الأميركي، وتُسهم عمليًا في توسيع الطلب على الدين السيادي الأميركي وتحويله إلى أصل تشغيلي مطلوب عالميًا، دون الحاجة إلى هيمنة مباشرة أو فرض سياسي صريح.


العملات الرقمية السيادية: أوروبا والصين ونماذج مغايرة

في مقابل النموذج الأميركي القائم على تفويض الابتكار للقطاع الخاص، تتجه أوروبا والصين وعدد من الاقتصادات الكبرى إلى إصدار عملات رقمية مباشرة من قبل البنوك المركزية، تُعرف بالعملات الرقمية للبنوك المركزية.

في الاتحاد الأوروبي، يجري تطوير “اليورو الرقمي” بوصفه امتدادًا سياديًا مباشرًا للنقد، يهدف إلى تعزيز كفاءة أنظمة الدفع، وحماية السيادة النقدية الأوروبية، والحد من الاعتماد المتزايد على العملات المستقرة المقومة بالدولار. استخدامات هذا النموذج تتركز على المدفوعات المحلية والتسويات بين المؤسسات، مع حرص واضح على عدم تقويض دور البنوك التجارية.

أما في الصين، فإن اليوان الرقمي يمثل أداة سيادية متقدمة تُستخدم لتعزيز السيطرة النقدية، ورفع مستوى الشفافية، وتقليص الاعتماد على منصات الدفع الخاصة، إضافة إلى دعم التدويل التدريجي للعملة الصينية في التجارة الإقليمية والدولية.

الفارق الجوهري هنا أن العملات الرقمية السيادية تُدار مباشرة من الدولة، بينما تعمل العملات المستقرة الأميركية ضمن بنية بلوكتشين خاصة، لكن تحت مظلة قانونية وتنظيمية صارمة تخدم في النهاية مصالح النظام المالي الأميركي.

عسكرة رأس المال: العقوبات، حروب الوكالة، والعملات الرقمية المستقرة


لم يعد ممكنًا فصل التحول نحو العملات الرقمية المستقرة عن السياق الجيوسياسي الأوسع الذي تشكّل خلال العقد الأخير، والمتمثل في تصاعد العقوبات الاقتصادية، حروب الوكالة، وسياسات التعريفات الحمائية، وما رافقها من تآكل متسارع لمنظومة التجارة الدولية الحرة. هذه الأدوات، التي استخدمت أساسًا في صراعات النفوذ بين القوى الكبرى، لم تُضعف فقط سلاسل التوريد والتبادل التجاري، بل أعادت تعريف رأس المال نفسه بوصفه أداة صراع، لا مجرد وسيط اقتصادي محايد.

في هذا السياق، يبرز مفهوم «عسكرة رأس المال» بوصفه أحد الملامح البنيوية للنظام الدولي الناشئ. فالتدفقات المالية، وأنظمة الدفع، والاحتياطيات النقدية، باتت تُستخدم كوسائل ضغط وعقاب وردع، تمامًا كما تُستخدم الأدوات العسكرية التقليدية. وقد كشفت العقوبات الواسعة، وتجميد الأصول السيادية، وإقصاء بنوك من أنظمة الدفع الدولية، هشاشة النظام المالي العالمي أمام التسييس، ودفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل تقلل تعرضها لهذا النوع من المخاطر.

هنا تتقاطع العملات الرقمية المستقرة مع منطق عسكرة رأس المال. فمن جهة، تشكّل هذه العملات أداة فعّالة لحماية الدولار وتشغيله داخل الفضاء الرقمي العالمي، حتى في ظل تفكك التجارة التقليدية وتراجع الثقة بالحياد المالي. فالعملات المستقرة المقومة بالدولار، والمدعومة بسندات الخزانة الأميركية، تسمح باستمرار هيمنة الدولار في التسويات الرقمية والتحويلات العابرة للحدود والتجارة الإلكترونية، خارج الأطر المصرفية الكلاسيكية الأكثر عرضة للاستهداف السياسي.

ومن جهة أخرى، تمنح هذه العملات الولايات المتحدة قدرة على تحييد جزئي لآثار عسكرة النظام المالي ضدها، عبر نقل تشغيل الدولار من البنية المؤسسية الثقيلة إلى بنية رقمية مرنة، موزعة جغرافيًا ومتعددة الولايات القضائية. وبهذا يتحول الدولار من عملة مرتبطة بدولة واحدة إلى بنية تشغيل مالية عالمية يصعب عزلها أو استبدالها بسهولة، حتى في بيئة تعدد الأقطاب.

غير أن هذا التطور يفتح سؤالًا استراتيجيًا بالغ الأهمية: ما هو مستقبل صراع رأس المال في عالم متعدد الأقطاب، مع النفاذ المتسارع للعملات الرقمية المستقرة إلى الأسواق العالمية؟ ففي حين ترى الولايات المتحدة في هذه العملات أداة لتعزيز موقعها، تسعى قوى أخرى إلى تطوير بدائل سيادية أو إقليمية تقلل من اعتمادها على الدولار الرقمي، سواء عبر عملات رقمية للبنوك المركزية، أو عبر ترتيبات تسوية ثنائية ومتعددة الأطراف خارج النظام الغربي.

وعليه، فإن العملات الرقمية المستقرة لا تمثل مجرد تطور تقني في عالم المال، بل إحدى ساحات الصراع الجديدة في النظام الدولي، حيث يتقاطع رأس المال والتكنولوجيا والسياسة في معادلة واحدة. إنها أداة في معركة لم تعد تُدار فقط بالسلاح أو التجارة، بل بالهندسة النقدية وتشغيل القيمة في الفضاء الرقمي العالمي.

أثر العملات الرقمية المستقرة على مستقبل العملات الورقية ودور البنوك

الدخول المتسارع إلى عالم العملات الرقمية المستقرة لا يعني اختفاء العملات الورقية، بل يشير إلى تحول تدريجي في وظيفتها. النقد الورقي يتراجع كأداة دفع يومية، في حين تبقى العملة الرسمية مرجعية قانونية ووحدة حساب أساسية.

بالنسبة للدولار الأميركي، تعزز العملات المستقرة مكانته العالمية، لأنها توسع نطاق استخدامه خارج النظام المصرفي التقليدي، وتربطه مباشرة بالبنية التحتية الرقمية العالمية. أما البنوك التجارية، فهي أمام إعادة تعريف دورها، سواء في التعاملات الفردية (Retail) حيث يزداد الضغط على الودائع، أو في التعاملات بين البنوك (Wholesale) حيث قد تصبح العملات الرقمية طبقة التسوية الأساسية بدل أنظمة المقاصة التقليدية.

وختاما : العملات الرقمية المستقرة لا تمثل محاولة لإخفاء الدين السيادي الأميركي أو الالتفاف عليه، بل تعكس تحولًا استراتيجيًا في كيفية إدارته في عصر البلوكتشين والاقتصاد الرقمي. فهي أداة لتحويل جزء من هذا الدين من عبء سياسي قابل للضغط، إلى أصل تشغيلي مطلوب عالميًا، مدمج في البنية التحتية للنظام المالي الحديث.

هذا التحول لا يلغي التحديات البنيوية للمديونية، لكنه يعيد توزيعها، ويؤجل لحظة التصحيح الكبرى، في عالم تتغير فيه طبيعة المال أسرع من أي وقت مضى

 

 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.